الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تلك القصة بقصة هي مثل في ضدها لأن تطلب ذي الفضل والكمال للازدياد منهما وسعيه للظفر بمن يبلغه الزيادة من الكمال ، اعترافا للفاضل بفضيلته . وفي ذلك إبداء المقابلة بين الخلقين وإقامة الحجة على المماثلة والمخالفة بين الفريقين المؤمنين والكافرين ، وفي خلال ذلك تعليم وتنويه بشأن العلم والهدى ، وتربية للمتقين . ولأن هذه السورة نزلت بسبب ما سأل المشركون والذين أملوا عليهم من أهل الكتاب عن قصتين قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين . وقد تقضى الجواب عن القصة الأولى وما ذيلت به ، وآن أن ينتقل إلى الجواب عن القصة الثانية فتختم بذلك هذه السورة التي أنزلت لبيان القصتين . قدمت لهذه القصة الثانية قصة لها شبه بها في أنها تطواف في الأرض لطلب نفع صالح ، وهي قصة سفر موسى - عليه السلام - لطلب لقاء من هو على علم لا يعلمه موسى . وفي سوق هذه القصة تعريض بأهل الكتاب بأن الأولى لهم أن يدلوا الناس على أخبار أنبياء إسرائيل وعلى سفر لأجل تحصيل العلم والحكمة لا سفر لأجل بسط الملك والسلطان . فجملة وَإِذْ قالَ مُوسى معطوفة على جملة وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [ الكهف : 50 ] عطف القصة على القصة . والتقدير : واذكر إذ قال موسى لفتاه ، أي اذكر ذلك الزمن وما جرى فيه . وناسبها تقدير فعل « اذكر » لأن في هذه القصة موعظة وذكرى كما في قصة خلق آدم . فانتصب ( إذ ) على المفعولية به . والفتى : الذكر الشاب ، والأنثى فتاة ، وهو مستعمل مجازا في التابع والخادم . وتقدم عند قوله تعالى : تُراوِدُ فَتاها في سورة يوسف [ 30 ] . وفتى موسى : خادمه وتابعه ، فإضافة الفتى إلى ضمير موسى على معنى الاختصاص ، كما يقال : غلامه . وفتى موسى هو يوشع بن نون من سبط أفرايم . وقد قيل : إنه ابن أخت موسى ، كان اسمه الأصلي هوشع فدعاه موسى حين بعثه للتجسس في أرض كنعان يوشع . ولعل ذلك التغير في الاسم تلطف به ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأبي هريرة يا أبا هرّ . وفي التوراة : أن إبراهيم كان اسمه أبرام فلما أمره اللّه بخصال الفطرة دعاه إبراهام . ولعل هذه التغييرات في العبرانية تفيد معاني غير معاني الأسماء الأولى فتكون كما دعا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم زيد الخيل زيد الخير .